علي بن محمد البغدادي الماوردي

303

أدب الدنيا والدين

نبله وذلك لاحدى علتين إما لأن الكمال معوز والنقص لازم فإذا تواتر الفضل عليه صار النقص فيما سواه . وقد قيل : من زاد في عقله نقص من رزقه . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ما انتقصت جارحة من إنسان إلّا كانت ذكاء في عقله » وقال أبو العتاهية : ما جاوز المرء من أطرافه طرفا * ألا تخوّنه « 1 » النقصان من طرف وأنشدني بعض أهل الأدب لإبراهيم بن « 2 » هلال الكاتب : إذا جمعت بين امرأين صناعة * فأحببت أن تدري الذي هو أحذق « 3 » فلا تنفقد منهما غير ما جرت * به لهما الأرزاق حين تفرّق فحيث يكون النقص فالرزق واسع * وحيث يكون الفضل فالرزق ضيق وإما لأن ذا الفضل محسود وبالأذى مقصود فلا يسلم في بره من معاد واشتطاط مناو « 4 » . وقال الصنوبري : محن الفتى يخبرن عن فضل الفتى * كالنار مخبرة بفضل العنبر وقلما تكون محنة فاضل إلّا من جهة ناقص وبلوى عالم إلّا على يد جاهل وذلك لاستحكام العداوة بينهما بالمباينة وحدوث الانتقام لأجل التقدّم وقد قال الشاعر : فلا غرو « 5 » أن يمنى عليم بجاهل * فمن ذنب التنين تنكسف الشمس

--> ( 1 ) تخوّنه : والتخوّن التعهد ، وبناؤه للتجنّب كأنه جانب الخيانة . ( 2 ) إبراهيم بن هلال : هو أبو إسحاق الصابئ ، كان كاتبا للخليفة العباسي ، ولعز الدولة بن بختيار ، له مكاتيب مشهورة ، وأشعاره لطيفة مشحونة بالبلاغة . قال التفتازاني : اختلف في التفضيل بين الصاحب والصابئ والحق أن الصاحب كان يكتب ما يريد ، والصابئ يكتب ما يؤمر ، وبين المقامين بون بعيد . ورثاه الشريف الرضي بقصيدة طويلة مطلعها : أرأيت من حملوا على الأعواد * أرأيت كيف خبا ضياء الوادي ولم يسمع شريف رثى مشركا غيره . ( 3 ) احذق : الحذق التعلم والمهارة في الشيء . ( 4 ) مناو : يقال : ناواه إذا عاده . ( 5 ) فلا غرو : فلا عجب .